الأحد، 21 يونيو 2026

كيف تحولت القادة والهامات والهيلمانات في لحظة إلى "مقاوتة" و"بناشرة"؟

 



بقلم : فاضل الجهوري


في مثل ردفاني يقول: «العيب على الذي أكل الكيلة أم على الذي قرّبها؟»، فقالوا: «على الذي قرّبها».


أقول لكم: نحن الجنوبيين عاطفيون، تلعب بنا العواطف، ولا نستخدم عقولنا إلا بالقدر اليسير. نضحك بسرعة ونبكي بسرعة، نحب بسرعة ونكره بسرعة، وذاكرتنا مثقوبة. لا نعطي الناس قدرهم الحقيقي إلا فيما ندر، نحب إلى درجة القداسة، ونخاصم بفجور، ونفتح كل الخطوط لمجرد عاطفة، ثم نغلقها بشحنة غضب.


نمدح هذا فوق قدره، ونوبخ ذاك وهو لا يستحق التوبيخ. لا نعرف الوسطية أو الاعتدال، وهذه - في ظني - صفات متأصلة فينا وخطيرة، ولابد من تجاوزها. ففي واقعنا الجنوبي كثير من التطرف والغلو، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا من لا يتابع الواقع الجنوبي وتفاصيله الداخلية.


إن أحداث الأمس، بقدر ما أبكتنا من الألم والحسرة ممن كنا نظن فيهم الخير، وأن يكونوا سهاماً جنوبية تتوجه إلى صدور العدو، اتجهت - للأسف - إلى إخوانهم وأبناء جلدتهم وأهلهم، بل وإلى قيادتهم التي كانوا يمتدحونها قبل أيام قليلة، ويهتفون: «يا عيدروس أعلنها دولة»، فإذا بهم اليوم يمزقون صوره ويرمونها بالرصاص، حتى إن الدحابيش لم يفعلوها.


لكن كان هناك أيضاً جانب من الهزل والسخرية رافق تلك الأحداث، مصدره كثير من الإعلاميين والمداحين والمطبلين، وهو أدق وصف لهم.


فقد قرأت لهؤلاء الشلة الانتهازية كتابات مليئة بالسب والشتم والقذف، مستخدمين مصطلحات مثل «مقاوتة» و«بناشرة» وغيرها من الأوصاف، وهي في حقيقتها أعمال شريفة وحلال لا عيب فيها.


لكنني وجدت العيب في هؤلاء أنفسهم، وصرت أكره نفاقهم أكثر من أفعال أولئك القادة. فلو عدنا إلى ما قبل أيام قليلة، لوجدناهم يصفونهم بالهامات الجنوبية والقادة بحجم وطن، حتى أصبح الوطن نفسه رخيصاً في سوق هؤلاء القماطة.


فتارة يشبهونهم برومل ومونتغمري، وتارة بخالد بن الوليد والقعقاع، ويحدثوننا عن مآثرهم وبطولاتهم التي لا تُحصى ولا تُعد، وهي بطولات صنعها هؤلاء المادحون أنفسهم من الوهم والفراغ.


وهكذا، وبين عشية وضحاها، تحولت صفحات التواصل الاجتماعي التي كانت تمتلئ بالمديح والشعر والنثر إلى ساحات للتهكم والسخرية، حتى بلغت شهرتهم الآفاق عند من لا يعرفهم، فأصبحوا في نظر العامة هامات سامقة صنعها النفاق والكذب والمال.


فكيف تحولوا فجأة إلى «مقاوتة» و«بناشرة» و«مبلطين»؟


يا هؤلاء، ألستم أنتم من صنعهم بكذبكم؟ أنتم أشد منهم انتهازية. أنتم من صنع الألقاب، وكتب الأكاذيب، وضلل الشارع، وصنع لهؤلاء الجاه والقيمة بالمال الفاسد وشراء الذمم، فاختلقتم الأقوال والافتراءات، وزورتم التاريخ، وشهدتم زوراً ونفاقاً.


واليوم، انكشفت الحقيقة عنكم وعنهم، وأصبحتم أمام الجميع تحملون الاتهام ذاته، إن لم تكونوا أشد منهم نفاقاً وكذباً وبهتاناً.


تعلموا أيضاً، يا معشر الجنوبيين، فهذا درس آخر يضاف إلى دروس كثيرة سابقة، وفيه من العبر ما يستحق التأمل.


فاضل الجهوري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرئيسية

نكزة... لمن يريد أن يقنعنا

  بقلم: أحمد جمال دبسان  القناعة كنز من أعظم الكنوز التي نمتلكها في هذه الحياة، والرضا بما قسم الله لنا نعمة تستوجب الحمد والشكر بما يليق بع...