في الذكرى الأولى لوفاة المناضل الفقيد صالح سريع علي، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، نعيد نشر هذا المقال الذي كُتب عقب رحيله، وفاءً لذكراه واستذكارًا لمسيرته النضالية والإنسانية الحافلة بالعطاء.
رسالة من مناضل حي إلى مناضل راحل
رسالة من عميد الأدب إلى المناضل صالح سريع علي
أخي وعزيزي...
أكتب إليك رسالتي بعد يومين من مغادرتك، أعرف أن المدة قصيرة، لكنني اشتقت لك.
افتقد عطفك الحنون، افتقد وهجك الدافئ، افتقد لطفك وحنان تعابيرك.
كانت الجنازة مهيبة بآلاف من محبيك، منهم من يعرفك، ومنهم من لا يعرفك، لكنهم جميعًا يحبونك. جميل أن يحبنا من يعرفنا، والأجمل أن يحبنا من لا يعرفنا، أليس كذلك؟
مجلس العزاء عامر، ومئات الناس تتدفق لتواسينا، منهم القوي ومنهم الضعيف، منهم الثري ومنهم الفقير. تخيل، وجوه الأقوياء واجمة، ووجوه الأثرياء باكية، وكذلك وجوه الضعفاء والفقراء دامية تمامًا.
الكل يبكيك ويرثينا.
أخي...
قرأت اليوم في صحيفة «أكتوبر» البطولة الخرافية عندما فجرت الطائرة البريطانية «بيفرلي»، ووضعت خطين تحت كلمة السر الظريفة: «وأشارح بالله أعطني من دهلك سبولة».
أسلوبك النضالي جميل، وأعجبني. أسلوبك جميل كالعادة، نادر كالعادة، ولماذا كل جميل دائمًا نادر؟
سأحتفظ بنسخ من صحف اليوم لأطلعك عليها يومًا ما.
الصحف غدت جنازة، ومشاعر الحب والألم اجتمعت من أجلك. ولم أتعجب من هذه المشاعر التي تشرئب نحوك.
أغلب الذين كتبوا عنك من جيل الشباب لم يعاصروك مسؤولًا، تخيل لو عاصروك!
سيكتبون: في عهدك عرفنا معنى التواضع والتسامح والغفران.
سيكتبون: في عهدك مديرًا عامًا لمديرية ردفان تأسست كلية التربية.
سيكتبون: عن تكريمك وتتويجك بوسام الثورة، وأنت تتصدر وسائل الإعلام وافتتاحيات الصحف منتشيًا بهذا الوسام.
سيكتبون: إنك في كل المسؤوليات التي أسندت إليك فتحت قلبك لكل الناس، وكنت من أوائل من عملوا حقيقة في سبيل الدولة، وتمكنت في ردفان من الحفاظ على مرافقها ومؤسساتها.
أريد أن أسألك بكل الحب والشوق:
ألم يكن مفترضًا أن تدون ذاكرتك وتجربتك النضالية لتستفيد منها الأجيال القادمة؟
أخي...
أكتب إليك وتحضرني صورة ابنك محمود في صف العزاء وقد أخفت الدموع عينيه، وشقيقه قاسم يبكي في صمت محاولًا الانتصار على الألم، لكن الألم أكبر منا جميعًا.
أما شقيقهم نبيل فكان يتألم وهو يقول لي:
«لا تخف على والدي، لقد رحل إلى رب غفور رحيم، وإلى عالم أجمل من عالمنا».
وردد شقيقاه: «صحيح أننا ذرفنا الدمع ونحن نودعه إلى مثواه الأخير في مقبرة الجرباء، وأحسسنا بألم كبير، ولكننا تذكرنا أن ما عند الله خير وأبقى».
وقال لي الشيخ فهمي جابر، نجل شقيق دربك:
«لم يكن يمر يوم دون أن نودع أنا وبعض الزملاء أسرارنا عنده، كان يحرص على نصحنا ومساعدتنا، سنفتقده كثيرًا».
ويقول شقيقه وهو يبتسم في حزن:
«لا تقلقوا عليه، تسبغه دعوات الخلق، ويستقبله عمله الصالح».
في الجنازة ارتديت نظارة سوداء، فعيناي لا تقويان أن تنظرا مجردتين إلى الثرى وهو يعانقك.
تأملتك في نظرة أخيرة، اخترقت عيناي الكفن، فوجدتك تبتسم.
أخي...
وتأملت هاتفي، ذهبت تحديدًا إلى الواتساب والبريد الذي يحتضن رسائلك الثرية، وكأنني أطالعها لأول مرة، فأكبرتك من أي وقت مضى.
أخي وعزيزي...
أكتب إليك وأتوقع بين ثانية وأخرى اتصالًا منك كعادتك للسؤال أو النصيحة.
أريد أن أسألك، على كل حال، عن معنى الغياب، وعن معنى الفراغ.
أشعر بغيابك كفراغ قاتل وغاضب، كأن يومي يتقلص، وكأن حياتي ضيقة.
يقولون إن النسيان من أعظم النعم، وأشعر هذه المرة أن النسيان نقمة وليس نعمة.
كيف ستمضي أيامنا هكذا وكأنك لم تكن بيننا، وكأننا لم نفقدك؟
موقعك في قلوبنا لا يحتله أحد، ولن يحتله أحد.
فلماذا إذن موقعك في المجالس سيملؤه جسديًا آخرون؟
وكأن هذه عدالة!
يقولون إن الموت حقيقة، وهو قاسٍ مثل أي حقيقة أخرى.
قاسٍ لدرجة أننا نتجاهله.
قاسٍ لدرجة أننا نريد القفز فوقه بسرعة.
أتأمل الثرى، منه أتينا وإليه نذهب، أراه صلفًا حين يفتح فاهه ليبتلعنا، وأراه حنونًا بعد أن ينصرف الناس ويضمنا.
أخي...
غادرتني فجأة قبل أن تغادر الآخرين.
أريد أن أطلعك على أمر لأستنير برأيك.
أريد مشورتك في شأن عمل، وشأن حياة.
أهكذا تغادرني دون إنذار؟
ما فعلتها من قبل!
هل تتذكر يوم كنت تتصل بنا في كل عيد؟
من ذا الذي يعاودنا هذا العيد؟
هل تتذكر يوم جمعتنا قاعة الفخامة في حضرة الصحفي مقراط، حين لقبوك يومها بـ«صديق الصحفيين»؟
ظلموك والله.
كنت صديق الجميع لا الصحفيين وحدهم.
بل صديق الضعيف قبل القوي، وصديق الفقير قبل الغني.
وأنت دائمًا كذلك.
يا صديقي...
أجدني ضعيفًا، فهل تقترب؟
أجدني مكسورًا، فهل تعود؟
أردت أن أسألك، وفي فمي أسئلة لا تنتهي، كلها سؤال واحد:
كيف استطعت أن تكون أنت؟
إنني أنتظر، فأجبني:
كيف استطعت؟
أبلغك سلام الأحبة والأقارب.
أبلغك سلامي.
أبلغك سلام هذه العين التي ترتجف.
أبلغك سلام هذا القلم الذي يئن ويرتعش.
أبلغك سلام الزهرة البيضاء التي نبتت بجوار مرقدك.
أبلغك سلام العشب الأخضر.
رأيت ثراك عشبًا أخضر وزهرة بيضاء.
أبلغك سلام القريب الذي قرأ في الواتساب، أو سمع من قريب خبر فراقك، فأطرق حزينًا.
أبلغك سلام الحبيب الذي لم يصدق أنك غادرتنا.
أبلغك سلام القريب الذي صبر واحتسب على تراتيل الدموع.
أبلغك سلام المناضل الفقير الذي وجد الغيمة في يدك.
أبلغك سلام الضعيف الذي نال الدفء في نظرتك.
أبلغك سلام الذي لم يحضر معزيًا أو مواسيًا من هول الكدر والصدمة، أو لم يستطع من قسوة الظروف.
أبلغك سلامي يا أخي.
أعرف أنك تكترث.
فهل تبتسم؟
أخي المناضل صالح سريع علي...
يومًا ما سنلتقي.
إلى اللقاء.رحم الله المناضل صالح سريع علي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق