بقلم : جلال الحجيلي
ثورة تلد أخرى، وانقلاب يطيح بانقلاب، وكلها تُوصف بأنها “أحداث تحررية” كما يُحبّ صانعوها أن يسمّوها.
لكن خلف هذه الشعارات البراقة، عاش جدي وأبي وأنا شخصياً سنواتٍ طويلة من المعاناة والخذلان.
جدي، أحد كبار الثوار الذين وصلوا إلى محافظة حجة، أمضى ثمانين عاماً من عمره محرومًا من أبسط الحقوق.
وأبي، رحمه الله، كان عميد ركن في الجيش الجنوبي ومن أبرز ضباط سلاح الدروع، رجلٌ كانت خبرته تُربك حتى الخبراء الروس. ومع ذلك، كنت أرى ملامح الخجل في وجهه يوم استلام الراتب، وكأنه ارتكب ذنبًا لمجرد أنه حاول أن يعيش بكرامة في وطن لا يقدّر أبناءه.
أما أنا، فوطني لم يمنحني حياةً كريمة ولا حفظ لي كرامتي الإنسانية. عشت مستور الحال، وشققت طريقي بعرق جبيني متحدياً قسوة الأيام.
الثورات الحقيقية تُصنع بالعقول الحرّة، وتُقام لأجل الإنسان أولاً، لأجل استقراره وكرامته وتنميته.
لكن بالله عليكم… هل شهدت اليمن منذ عقود ثورة أعادت للناس حريتهم وكرامتهم؟
هل احتفل اليمني يومًا بوطن يفتخر بإنجازات ثوّاره كما تحتفل شعوب الأرض بيومها الوطني؟
هل تحوّل الوطن من لا شيء إلى كيانٍ يحترم أبناءه ويمنحهم الحياة التي يستحقونها؟
أسئلة موجعة يجب أن يطرحها كل من يملك ذرة وعي أو إحساس بالمسؤولية. عامٌ بعد عام، ونحن نعيش الوهم ذاته — نبحث عن الأمل المفقود، ونصدّق الأكاذيب المزينة بألوان الشعارات.
كارثة أن نعرف موطن الخلل ولا نجد من يمتلك الإرادة لإصلاحه.
لقد تراكمت الأخطاء السياسية عبر العقود، وتوارثتها الأجيال حتى أصبحت لعنة تطارد كل محاولةٍ حرةٍ لبناء وطن مستقل. فكلما وُجد من يحاول فرض سيادة القرار، ظهرت فزّاعة "الارتهان"، لتصبح سيدة المشهد، والإنجاز، والنضال، والوطن نفسه.
لماذا تُسلب الثقة من شعبٍ يمتلك ثروةً هائلة، وعقلاً حرًّا، وبأساً ديمغرافياً متيناً؟
لقد حان الوقت لإيجاد عقولٍ تخدم الإنسان قبل الوطن، لأن الوطن لا يصلح إلا إذا صلح الإنسان الذي يسكنه.
فصلاح العقل هو البداية الحقيقية لوطنٍ يشفى من أمراضه السياسية والعقائدية والمناطقية والمذهبية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق